دكتور عبد العزيز الدوري
32
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
- 7 - يتضح من هذا كله أنّ الدراسة المنظمة لتاريخنا تتطلب نقد المصادر لمعرفة أصولها وميول مؤلفيها وتستوجب إسناد كل ما نأخذ منها إلى مصدره ليعرف القارئ قيمة معلوماتنا ودقة أصولنا . وتتطلب الفترات المختلفة معالجة متصلة دون تجزئة ، لتظهر نواحي الاستمرار والنمو ولتفهم الأمة في مسيرتها التاريخية ، وتتطلب أن نحيط بها من نواحيها المختلفة التي تمثل الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية والدينية كافة ، لنقدم للقارئ فكرة شاملة ، ولتفهم الشخصية العامة للأمة بأكمل صورة . وبذلك تكون الصورة منسجمة لا مجموعة أشلاء مبعثرة . ولنا أن نستعين في بحوثنا بكتب التاريخ والأدب والفقه والقصص والشعر ، وبالآثار الفنية والأساطير . ومن الواضح أنّ القصص والأساطير الشعبية لها أهمية كبيرة في الكشف عن عقلية السواد الأعظم من الأمة وبعد نظرهم إلى الأمور ونوع تفكيرهم . فتكرار الإشارة إلى أهمية الأحلام والنبوءات في التاريخ يشير إلى مجتمع يعتقد بهذه الأمور ويرى لها أهمية عملية ، وتلك نتيجة لضآلة ثقافته وتفشي الأمية فيه . كما أنّ بعض الخرافات لها أهمية في الكشف عن نواح أخرى مهمة . فالاعتقاد بأنّ من أكل سبع تمرات في الصباح لا يدخل الشيطان داره ذلك اليوم ، يشير إلى إنتاج واسع من التمر وإلى العناية بزرعه . والاعتقاد بأن القسطنطينية لا يفتحها إلا رجل اسمه اسم نبي تشير إلى عجز عن فتحها ويأس يرجئ ذلك إلى زمن مجهول . والخرافة التي تزعم بأن من فتح عينيه ونظر الشمس دون أن تدمعا مباشرة فهو كافر تشير إلى عيون تتفشى فيها الأمراض ويندر فيها من يستطيع فتح عينيه على قرص الشمس . والأسطورة التي ظهرت في العصر العثماني ، والتي مفادها أن بغداد حين خططها المنصور أحاطها بحبل علق عليه جرسا في جهة وأمر ألا يبدأ ببنائها إلا بعد دق الجرس ، فمرّ حمار فدق الجرس وبدأ البناؤون بالبناء ، فلما سمع المنصور بذلك تأوّه طويلا وقال : « بغداد نصيب الغريب » ! تلك الأسطورة هل تتكوّن مثلها إلا عند أمة نكبت عدة قرون ؟ ! وبهذه المناسبة أبين أن ألف ليلة وليلة كنز ثمين يكشف عن تطور العقلية الشعبية في البلاد الإسلامية في مختلف عصورها ، فهي تمثل هذه العقلية في خرافاتها وسذاجتها وصراحتها المكشوفة في الأمور العاطفية ، وشكها بالمرأة وإحاطتها بالأسوار ، وحبها للمغامرات والغرائب ، ورأيها في الشعوب المجاورة ، وتصف حياتها اليومية وتعكس رأيها في الترف المتمثل في قصور الملوك ورفاهية التجار . كما أنها مزيج من الواقع والخيال في قصصها . ومما يؤسف له أن يهمل هذا الكنز التاريخي ولا يدرس كما